حسن الأمين
291
مستدركات أعيان الشيعة
هي ( الكلية الإسلامية ) ، وكانوا يحضرون أيام العطل إلى النباطية ، فالتقي بهم وننظم سهرات ولقاءات كان الحديث فيها لا يتعدى الحديث الوطني الحماسي ، ولم يلبث الصيف أن جاء وانقطعوا عن الذهاب إلى بيروت ، وعادت اللقاءات يومية ، وعاد الحديث الوطني أكثر تشعبا وتواصلا ، وقد كنا نخرج إلى ظاهر النباطية ، فننشد الأناشيد الحماسية الثورية التي توري الهمم وتحفز العزائم . ثم رفعنا علم الاستقلال العربي السوري المربع الألوان ذا النجمة البيضاء وسط لونه الأحمر ، وهو العلم الذي كان من قبل علم الثورة العربية ، ثم أضيف إليه عند إعلان استقلال سوريا بملكية الملك فيصل بن الحسين ، نجمة سباعية ، ثم طوي بعد قضاء الفرنسيين على الاستقلال السوري واحتلالهم البلاد ، وأصبح رفعه جريمة من الجرائم السياسية الكبرى . اقترحت أن نرفع هذا العلم في اجتماعاتنا لا سيما في ظاهر البلد ، فجمع أحد الرفاق ألوانه وشده إلى رمح خشبي طويل ، وأحضره إلينا ملفوفا على رمحه ، فاحتفلنا بنشره احتفالا حماسيا صاخبا ، وكان قد كثر عددنا ، ولم يبق محصورا في التلاميذ وحدهم ، بل انضم إلينا بعض الفتيان واليافعين وشاركونا في اجتماعاتنا وساهموا في لقاءاتنا . وهنا لا بد من الإشارة إلى أمر هام ، وهو أن جميع رفاقنا التلاميذ كانوا تلاميذ مدرسة وطنية واحدة ، فكانوا متالفين لا تفرق بينهم المناهج المدرسية المختلفة التوجيه ، وكان من أبناء البلدة تلميذ واحد يتلقى دراسته في الجامعة الأمريكية ، ولما حاولنا ضمه إلى صفنا لم يستجب إلى ذلك ، وبقي وحده منفردا بعيدا عن مجموعة تلاميذ بلدته ، فأدركت عند ذلك سبب تشعب الاتجاهات والميول في لبنان ، فان انقسام المدارس بين توجيه فرنسي أو إنكليزي أو أمريكي ، وبين يسوعي وعلماني وإسلامي وكاثوليكي وبروتستنتي كان يقسم التلاميذ ويسير بهم في اتجاهات متباينة متعارضة ، في حين أن بلاد الدنيا كلها تسيطر الدولة فيها على التعليم في منهج واحد وتوجيه واحد ، فيتخرج الرجال وطنيين أولا ذوي ميول واحدة ، وإذا اختلفوا فإنما يختلفون في كيفية تنفيذ تلك الميول . الجهر بعد الإخفات ظلت اجتماعاتنا ولقاءاتنا في أوائل الصيف محصورة فينا ، ثم رأينا بعد أن أصبحنا كتلة ذات عدد لا بأس به ، أن نجهر بين الناس بما لا زلنا نخفت به بينهم ، ولا نجهر بها إلا بيننا ، وفكرنا في إيجاد المناسبة ، فإذا بها تأتينا على رجليها ، فقد كان بيننا وبين ذكرى المولد النبوي بضعة أيم فرأينا أن نعلن الاحتفال بمرور هذه الذكرى احتفالا جماهيريا شاملا ، فنظمنا أنفسنا في ليلة المولد وحشدنا فيها كل من نستطيع حشده من الرفاق ومن غيرهم فكنا جمهورا لا بأس به ، وبدأنا مسيرتنا في الليل فانضم إلينا الفضوليون ومن راقتهم هذه المسيرة ، فإذا بنا جمعا كثيفا يخترق شارع النباطية العام من أول البلدة هازجا منشدا متحمسا ، وكنا كلما تقدمنا في السير ازداد عددنا حتى اخترقنا البلدة وانتهى بنا المسير إلى الطرف الآخر من البلدة ، ثم عدنا راجعين إلى الساحة العامة حيث تفرقنا متواعدين على اللقاء عصر الغد في الحسينية في حفلة خطابية تمجد هذه الذكرى المجيدة ، وكنا قبل ذلك قد وزعنا الدعوات لحضور هذه الحفلة على الناس . وقد فكرنا أول الأمر بان نرفع أمام مسيرتنا علم الاستقلال العربي السوري ، ثم عدلنا عن هذه الفكرة لأنها ستلفت الأنظار إلى غاياتنا ، وتنبه عملاء الانتداب الفرنسي إلى أهدافنا ، وقررنا أن نؤخر رفعه إلى مناسبة أخرى . وفي عصر اليوم الثاني احتشد الناس في الحسينية حتى غصت بهم على رحبها ، ودعونا إلى الخطابة في الحفلة الشيخ أحمد رضا ، وتكلم بعض الشبان ، وختمت أنا الحفلة بخطاب حماسي عنيف ، فكانت المسيرة الليلية والحفلة النهارية شيئا جديدا على البلدة لم تالفه في مرور ذكرى المولد النبوي . وكان من أغرب ما رآه الناس أن موظفا حكوميا يقف هذا الموقف ، ولا يخشى على وظيفته غير عالمين أن هذا الموظف يعد الأيام لينهي حياة الوظيفة وينطلق في طريقه الجديد الذي لم تتضح له معالمه بعد . ثم رأينا أن قد آن لنا أن نرفع علم الاستقلال رفعا علنيا ، فقد عرفنا أن رياض الصلح كان يزور قرية له من قرى النباطية هي قرية الشرقية ، وأنه سيمر عائدا في النباطية ، وكان رياض ممن يعملون يوم ذاك في الحقل الوطني ، فقررنا أن نشعره بوجودنا ، فخرجنا في أربع سيارات رافعين العلم الاستقلالي على ساريته العالية ، وانتظرنا رياض في ظاهر النباطية ، فلما وصل إلينا أوقفنا سيارته فنزل منها وكان يرافقه محمد جابر وهو من المختصين به من رجالات النباطية ، فخطبت أمامه خطابا وطنيا حماسيا ، ثم شيعناه [ بساراتنا ] بسياراتنا رافعين في السيارة الأولى علم الاستقلال يخفق أمام عيون القرويين الذاهبين والآئبين والمقيمين حتى قرية حبوش . ومنها عدنا ومعنا محمد جابر الذي لم يخف عنا ذعر رياض من رفع علم الاستقلال ، وقال أن رياضا قال له : أن رفع العلم مخاطرة ، فاخترقنا بسياراتنا شارع النباطية العام منشدين الأناشيد الحماسية والعلم في المقدمة يتماوج عاليا شامخا ، والناس تتجمع على جوانب الشارع لترى ما هذا الذي يحدث . لم يمر هذا الحادث مرورا سهلا ، بل كان له ما بعده ، فقد كان وقوفنا في ظاهر النباطية على مفترق طريق يؤدي إلى بلدة نافذ قوي ، وكان وقوفنا